الخطيب الشربيني
234
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ وقوله تعالى من قبل وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ والعزة إشارة إلى كمال القدرة والحكمة إشارة إلى كمال العلم فقدم القدرة هناك على العلم ؟ أجيب : بأنّ المذكور هناك الإعادة بقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الروم : 27 ] لأنّ الإعادة بقوله تعالى : كن فيكون ، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر . ثم إنّ قوله تعالى وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ فيه تبشير وإنذار ؛ لأنه إذا كان عالما بأحوال الخلق يكون عالما بأحوال المخلوق فإن عملوا خيرا علمه ، وإن عملوا شرّا علمه ، ثم إذا كان قادرا وعلم الخير أثاب وإذا علم الشرّ عاقب . ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللذين هما بالقدرة والعلم قدم العلم ، وأمّا الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال قبل العقاب فقال : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ولما ثبتت قدرته تعالى على البعث وغيره عطف على قوله أول السورة وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي : القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة ، أو إعلاما بتيسيرها على الله تعالى ، وصارت علما عليها بالغلبة كالكوكب للزهرة يُقْسِمُ أي : يحلف الْمُجْرِمُونَ أي : الكافرون . وقوله تعالى ما لَبِثُوا جواب قوله تعالى يقسم وهو على المعنى إذ لو حكي قولهم بعينه لقيل ما لبثنا أي : في الدنيا غَيْرَ ساعَةٍ استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا في الآخرة ، وقال مقاتل والكلبي : ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال تعالى كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [ النازعات : 46 ] وكما قال تعالى كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [ الأحقاف : 35 ] وقيل : فيما بين فناء الدنيا والبعث . وفي حديث رواه الشيخان : « ما بين النفختين أربعون » « 1 » وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام كَذلِكَ أي : مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها كانُوا في الدنيا كونا هو كالجبلة لهم يُؤْفَكُونَ أي : يصرفون عن الحق في الدنيا ، وقال مقاتل والكلبي : كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث ، والمعنى : أنّ الله تعالى أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه . ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ وهم الملائكة والأنبياء والمؤمنين لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ أي : فيما كتب الله لكم في سابق علمه وقضائه ، أو في اللوح المحفوظ ، أو فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث فيكون في كتاب الله متعلق بلبثتم ، وقال مقاتل وقتادة : فيه تقديم وتأخيره معناه : وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان لقد لبثتم إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ و ( في ) ترد بمعنى ( الباء ) فردّوا ما قال هؤلاء الكفار وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة ، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ الذي أنكرتموه ، وقراء نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء المثناة ، والباقون بالإدغام . تنبيه : سبب اختلاف الفريقين أنّ الموعود بوعد إذا ضرب له أجل إن علم أنّ مصيره إلى النار
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4814 ، ومسلم في الفتن حديث 2955 .